كيف تُفسد لعبة قبل أن تبدأ؟
تخيّل أنك دعوت مجموعة من الأصدقاء إلى منزلك لقضاء أمسية ممتعة، وبعد العشاء قررت أن تقترح عليهم لعبة جماعية، فوافق الجميع بحماس، وأصبحوا مستعدين للمنافسة، إلا أنك طلبت منهم أولًا إخراج هواتفهم، ثم مسح رمز الاستجابة السريعة، ثم كتابة أسمائهم، ثم اختيار فرقهم، ثم الانتظار حتى ينتهي الجميع من الانضمام.
حتى هذه اللحظة يبدو الأمر طبيعيًا، أليس كذلك؟
لكن مهلًا، أحدهم لا يستطيع مسح الرمز، والآخر نسي كلمة مرور هاتفه (لا أعرف ما علاقتها بالموضوع، لكنه مصرّ على أنها المشكلة)، والثالث يسأل إن كان عليه تحميل تطبيق، بينما قررت الجدّة أنها لا ترغب في اللعب من الأساس، أما الطفل الصغير فقد استولى على هاتف والده وبدأ يلعب شيئًا آخر!
وبعد عشر دقائق من محاولة جمع الجميع، تكتشف أن نصفهم فقد الحماس، والنصف الآخر انشغل بهاتفه، وأنك الشخص الوحيد الذي لا يزال متحمسًا للعبة.
مبروك، لقد نجحت في إفساد الأمسية قبل أن تبدأ!
المشكلة أن هذا السيناريو لم يكن بعيدًا عمّا يحدث في «دروب الحروف».
عندما تكون المشكلة قبل اللعبة
منذ البداية، كانت فكرتنا تقوم على جمع الناس حول لعبة معرفية تنافسية، يتسابقون فيها للإجابة عن الأسئلة، والاستيلاء على الخلايا السداسية، وبناء درب يصل بين طرفي اللوحة.
لكن عندما بدأنا بمراقبة استخدام اللعبة، اكتشفنا أمرًا غريبًا، فقد كان عدد لا بأس به من الزوار يضغطون على زر «ابدأ جولة»، ثم يختفون!
لا يجيبون عن سؤال واحد، ولا يصلون حتى إلى اللوحة.
فهل كانت الأسئلة صعبة إلى هذا الحد؟ أم أن شكل اللعبة لم يكن جذابًا؟ أم أننا بالغنا في تعقيد القواعد؟
اتضح أن المشكلة لم تكن في اللعبة أصلًا، وإنما في الخطوات التي تسبقها.
كنا قد صممنا تجربة تفترض أن لكل لاعب هاتفًا، وأن الجميع مستعدون للانضمام إلى الجلسة من خلاله، وأن هناك شخصًا يستطيع إدارة كل هذه العملية قبل بدء المنافسة.
وهو افتراض يبدو منطقيًا جدًا عندما تكون مطوّر اللعبة، وجالسًا أمام حاسوبك، وتملك ثلاثة هواتف للتجربة، ولديك متسع من الوقت لاختبار كل زر.
لكن المجالس العائلية لا تعمل بهذه الطريقة.
ففي المجلس الواحد قد تجد ثلاثة أجيال مختلفة، بعضهم يحب الألعاب الإلكترونية، وبعضهم لا يعرف الفرق بين المتصفح والتطبيق، وبعضهم لا يريد إخراج هاتفه أصلًا، وهذا حقه، فقد جاء ليجلس مع الناس لا ليجلس مع هاتفه!
وهنا بدأنا نتساءل: هل يتوجب على الناس التكيّف مع اللعبة، أم أن اللعبة هي التي يجب أن تتكيّف مع الناس؟
هاتف واحد يكفي
من الأشياء التي أحبها في المسابقات التلفزيونية القديمة أنها لا تحتاج إلى شرح طويل، فهناك سؤال يظهر على الشاشة، ومجموعة من المتسابقين يحاولون الإجابة عنه، ومقدّم يدير المنافسة.
لا أحد يحتاج إلى إنشاء حساب، أو تحميل تطبيق، أو إدخال رمز سري.
كل ما عليك هو الجلوس والمشاركة.
فلماذا لا تعمل «دروب الحروف» بالطريقة نفسها؟
من هنا بدأنا تطوير «وضع المسابقة»، وهو نمط جديد يسمح بإدارة اللعبة من شاشة واحدة فقط، يمكن عرضها على التلفاز أو الحاسوب، بينما يتنافس الجميع دون الحاجة إلى استخدام هواتفهم.
يظهر السؤال على الشاشة، ويبدأ شريط الوقت بالتحرك، ويتسابق اللاعبون للإجابة، وعندما ينتهي الوقت تظهر الإجابة الصحيحة تلقائيًا، وكل ما على مقدّم المسابقة هو تحديد الفريق الذي أجاب أولًا.
ثم تعود اللوحة السداسية للظهور، ويختار الفريق الفائز خليته التالية، وهكذا تستمر المنافسة.
ولأننا نعرف أن الصمت أثناء انتظار الإجابة قد يحوّل المسابقة إلى امتحان مدرسي، أضفنا بعض المؤثرات الصوتية أيضًا (لا تقلق، لن تسمع صوت المعلمة وهي تطالبك بتسليم الورقة).
لكن الأهم من كل ذلك أننا اختصرنا المسافة بين الرغبة في اللعب وبدء اللعبة إلى زر واحد تقريبًا.
مشكلة الأربعة
بعد حل مشكلة بدء اللعبة، ظهرت أمامنا مشكلة أخرى.
كانت قواعد «دروب الحروف» الأصلية تعتمد على تكوين درب متصل من أحد أضلاع اللوحة إلى الضلع المقابل، وهي قاعدة ممتعة عندما يتنافس فريقان، لكن ماذا لو شاركت أربعة فرق أو أكثر؟
هنا تبدأ المشكلة.
تخيل أربعة فرق تتنافس على لوحة سداسية واحدة، كل فريق يحاول الوصول إلى الطرف المقابل، وفي الوقت نفسه يقطع الطريق على بقية الفرق، فتتحول اللوحة تدريجيًا إلى شبكة من الدروب المتداخلة، وتصبح فرص الفوز أقل كلما تقدمت اللعبة.
فقد تصل إلى مرحلة يكون فيها الجميع قد استولى على مجموعة من الخلايا، لكن لا أحد يستطيع الوصول إلى الطرف الآخر.
وهكذا تستمر المنافسة دون نهاية واضحة، إلى أن يفقد أحدهم صبره ويطالب بإعلان التعادل (غالبًا الشخص الذي يحتل المركز الأخير).
لذلك قررنا تجربة قاعدة مختلفة.
ماذا لو لم يكن الفوز يتطلب الوصول إلى الطرف المقابل أصلًا؟
ماذا لو كان يكفي تكوين خط مستقيم من أربع خلايا متجاورة؟
وهكذا ولد نمط «درب الأربعة».
أربع خلايا فقط
في هذا النمط، يفوز أول فريق يتمكن من تكوين خط مستقيم من أربع خلايا متجاورة، في أي اتجاه من الاتجاهات الثلاثة التي تسمح بها اللوحة السداسية.
لا يمكن احتساب الخطوط المتعرجة، ولا القفز فوق الخلايا، فالمطلوب أربع خلايا متصلة في خط واحد.
قد تبدو هذه القاعدة بسيطة، لكن تأثيرها على المنافسة كبير.
فبدلًا من أن يحاول كل فريق الوصول إلى طرف بعيد، أصبح بإمكانه بناء خط قصير، وفي الوقت نفسه مراقبة خطوط منافسيه وقطع الطريق عليهم.
وللتأكد من أن هذه القاعدة لا تجعل اللعبة قصيرة جدًا أو طويلة جدًا، أجرينا آلاف الجولات الافتراضية باستخدام المحاكاة الحاسوبية، وقارنّا نتائجها بالنمط الأصلي.
وكانت النتائج مشجعة، فقد أصبحت معظم الجولات تنتهي بفائز واضح خلال نحو عشرين دقيقة، بدلًا من استمرار المنافسة دون حسم.
أما إذا امتلأت اللوحة قبل أن ينجح أحد في تكوين خط الأربعة، فيفوز الفريق الذي يملك أكبر عدد من الخلايا، وإذا تعادل فريقان، يحسم سؤال أخير النتيجة.
وبذلك أصبحت اللوحة نفسها تحدد نهاية اللعبة.
متى تكون البساطة ابتكارًا؟
عندما نتحدث عن تطوير المنتجات، غالبًا ما نفكر في إضافة مزايا جديدة، المزيد من الخيارات، المزيد من الأزرار، والمزيد من الأشياء التي يمكن للمستخدم القيام بها.
لكننا ننسى أن كل ميزة إضافية قد تكون عائقًا جديدًا أمام شخص لا يحتاج إليها.
فبالنسبة لنا، كان انضمام اللاعبين من هواتفهم ميزة رائعة، تمنح كل لاعب إمكانية المشاركة المباشرة، واستخدام بطاقاته السرية، والضغط على زر الإجابة.
لكن بالنسبة إلى عائلة تريد قضاء عشرين دقيقة في مسابقة مرحة، قد تتحول الميزة نفسها إلى مشكلة.
وهذا لا يعني أن النمط الأصلي كان خاطئًا، وإنما يعني أنه لم يكن مناسبًا لكل موقف.
فكما أن هناك من يحب قيادة السيارة بناقل حركة يدوي، هناك من يفضل الناقل الأوتوماتيكي، وكلاهما يريد الوصول إلى الوجهة نفسها (مع اختلاف مقدار الصراخ أثناء القيادة).
لذلك لم نتخلص من النمط الأصلي، وإنما أبقيناه لمن يرغب في تجربة أكثر تفاعلًا، وأضفنا وضع المسابقة لمن يريد بدء اللعب بأقل قدر ممكن من الخطوات.
نهاية القول
بدأنا بتطوير لعبة نعتقد أنها ستجمع الناس، ثم اكتشفنا أننا نطلب منهم الانشغال بهواتفهم قبل أن نجمعهم!
كانت مفارقة تستحق التوقف عندها.
فالمنافس الحقيقي للعبة جماعية ليس بالضرورة لعبة أخرى، وإنما كل ما يمنع الناس من المشاركة فيها، سواء كان إعدادًا معقدًا، أو قاعدة يصعب فهمها، أو انتظارًا طويلًا قبل بدء المنافسة.
لقد تعلمنا أن تحسين تجربة اللعب لا يعني دائمًا إضافة شيء جديد، فقد يكون أحيانًا بحذف شيء موجود أصلًا.
فإذا كانت غاية «دروب الحروف» هي جمع الناس حول تجربة مشتركة، فإن نجاحها لا يقاس فقط بعدد الأسئلة التي يجيبون عنها، وإنما بعدد الأشخاص الذين يشاركون فيها فعلًا.
والآن، بعدما أصبح بإمكان الجميع اللعب أمام شاشة واحدة، بقي أمامنا سؤال آخر:
ماذا لو لم يكن هناك أحد غيرك أمام الشاشة؟
هذه المرة، لن نطلب منك الانتظار حتى يأتي أحدهم.
سنطلب منك أن تتسابق معه… حتى لو لم تقابله من قبل.