يوم خسرتُ في لعبتي
كنت ألعب «سباق الدرب» بثقة شخص يعرف اللعبة جيدًا، ليس لأنني بارع في ألعاب المعلومات العامة، وإنما لأنني شاركت في تطويرها وكتابة كثير من أسئلتها (ميزة غير عادلة قليلًا، أعترف بذلك)، حتى وصلت إلى سؤال عن حكاية ألمانية شهيرة، تتحدث عن أخوين ضلّا طريقهما في الغابة، وتركا خلفهما فتات الخبز حتى يتمكنا من العودة إلى المنزل.
يا لها من إجابة سهلة! «هانزل وغريتل» بالطبع!
كتبت الإجابة، وانتظرت أن تتحول الخلية إلى اللون الفيروزي الجميل، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا، فقد أخبرتني اللعبة بأن إجابتي خاطئة، ثم ماتت الخلية وتحولت إلى اللون الأسود، وأصبح عليّ البحث عن طريق آخر!
مهلًا، ماذا؟!
اتضح أن الإجابة المعتمدة في اللعبة هي «هانسل وغريتل» بالسين، بينما كتبتها أنا «هانزل وغريتل» بالزاي، وكلاهما تعريب متداول للاسم الألماني Hansel، لكن اللعبة كانت مقتنعة بأن أحدهما صحيح والآخر خاطئ.
والأطرف أنني أنا من شارك في وضع القواعد التي جعلتني أخسر!
لكن من المخطئ هنا فعلًا؟ هل هو اللاعب الذي كتب اسمًا صحيحًا بطريقة مختلفة؟ أم اللعبة التي لا تعترف إلا بطريقة واحدة لكتابته؟
عندما تصبح الإجابة الصحيحة خاطئة
في لعبة تعتمد على الحروف، يصبح للحرف الأول أهمية كبيرة، فهو الذي يحدد السؤال الذي سيظهر لك، لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الإجابة اسمًا أجنبيًا يمكن كتابته بأكثر من طريقة.
فشركة Google مثلًا يعرفها بعضنا باسم «جوجل»، وآخرون باسم «غوغل»، وهناك من يكتبها «قوقل»، وكلهم يتحدثون عن الشركة نفسها، لكن بالنسبة للعبة الحروف، أصبحت لدينا ثلاث إجابات تبدأ بثلاثة حروف مختلفة!
وماذا عن Spotify؟ هل تكتب «سبوتيفاي» أم Spotify؟ وماذا عن TikTok، هل هي «تيك توك» أم «تيكتوك»؟
بدأنا نكتشف أن المشكلة ليست في معرفة الإجابة، وإنما في قدرتنا على توقع الطريقة التي يريدنا بها النظام أن نكتبها، وكأننا لا نختبر معلومات اللاعب، بل نختبر قدرته على قراءة أفكار من كتب الأسئلة!
لذلك قررنا تغيير القاعدة، فأصبح بإمكان اللاعب كتابة الأسماء الأجنبية بالإنجليزية مباشرة، أو باستخدام التعريبات العربية الشائعة، كما أضفنا تلميحًا للحرف الأصلي عندما تكون الإجابة اسمًا أجنبيًا.
أما «جوجل»، فقررنا اعتمادها تحت حرف الجيم، مع قبول الصيغ الأخرى للإجابة، بما فيها «قوقل» (حتى لا نغضب أهل القاف).
من يراجع 2204 أسئلة؟
بعد هذه الحادثة، بدأت أفكر في أمر آخر أكثر إزعاجًا، فإذا كنت قد اكتشفت هذا الخطأ لأنني ألعب لعبتي كل يوم، فكم سؤالًا آخر يحتوي على أخطاء مشابهة لم أكتشفها بعد؟
كان لدينا أكثر من ألفي سؤال موزعة على عوالم مختلفة، وكل سؤال يحتاج إلى إجابة دقيقة، وصياغة واضحة، وحرف صحيح، ومعلومة موثوقة، وأحيانًا أكثر من إجابة مقبولة.
وكلما أضفنا أسئلة جديدة، أصبحت مهمة مراجعتها أصعب، خصوصًا أن بعض الأخطاء لا تظهر إلا عندما يكتب أحدهم إجابة لم نتوقعها.
فهل يعقل أن أراجع كل سؤال بنفسي، وأجرّب جميع الإجابات المحتملة، وأتوقع جميع طرق كتابة الأسماء؟ (أعتقد أنني سأحتاج إلى حياة إضافية، وربما اثنتين).
ثم أدركنا أن الحل ربما يكون أمامنا طوال الوقت.
فاللاعبون أنفسهم هم من يكتشفون هذه الأخطاء، فلماذا لا نتيح لهم مساعدتنا على تصحيحها؟
أضفنا رابطًا صغيرًا يظهر بعد السؤال: «مشكلة في السؤال السابق؟»، يستطيع اللاعب من خلاله إبلاغنا بأن إجابته كانت صحيحة، أو أن هناك مشكلة في السؤال نفسه.
وإذا اختار أن إجابته كانت صحيحة، تصلنا الإجابة التي كتبها حرفيًا، لنتمكن من مراجعتها وإضافة الصيغة المقبولة عند الحاجة.
وهكذا لم تعد مهمة مراجعة الأسئلة محصورة في شخص واحد، بل أصبح لكل لاعب فرصة للمساهمة في تحسين اللعبة.
بمعنى آخر، سلّمنا الجمهور القلم الأحمر، واحتفظنا نحن بالممحاة!
عندما تتغير الأسئلة مع الزمن
لكن أثناء مراجعة الأسئلة وإضافة المزيد منها، لاحظنا شيئًا آخر، وهو أن بعض المعلومات تصبح أكثر إثارة للاهتمام في أوقات معينة من السنة.
ففي الأيام الوطنية الخليجية مثلًا، تزداد رغبتنا في التعرف على تاريخ دول الخليج وعاداتها ومعالمها، وفي رمضان، تصبح أسئلة السيرة والأنبياء أكثر ارتباطًا بما نعيشه، أما في المناسبات العائلية، فقد يكون من الممتع اختبار معلوماتنا عن أسماء القرابة (هل تعرف من هي السِّلفة؟ ومن هو العديل؟).
وهكذا ظهرت فكرة «المواسم»، وهي مجموعات من الأسئلة تتغير بحسب المناسبات والأوقات المختلفة من السنة.
بدأنا بموسم «خليجنا واحد»، ثم «عام الأسرة»، وجهّزنا موسم «أعلام وعواصم» لشهر يناير، و«الأنبياء والسيرة» لفترة رمضان.
ولأن اللعبة تعتمد على الحروف، لم يكن يكفي أن نختار مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالمناسبة، بل كان علينا التأكد من وجود إجابات مناسبة لجميع الحروف، حتى لا يجد اللاعب نفسه أمام لوحة لا يستطيع إكمالها.
وهنا اكتشفنا أن بعض الحروف كانت شبه خالية من الأسئلة في موضوعات معينة، فبدأنا البحث عن معلومات جديدة لسد هذه الفجوات، حتى وصل بنك الأسئلة إلى 2204 أسئلة.
لم يكن الهدف إضافة أكبر عدد ممكن من الأسئلة، وإنما إضافة الأسئلة التي نحتاجها فعلًا، حرفًا ناقصًا بعد حرف.
نهاية القول
عندما بدأنا تطوير «دروب الحروف»، كنت أعتقد أن التحدي الأكبر هو ابتكار لعبة ممتعة، لكنني بدأت أدرك أن المحافظة على جودتها بعد إطلاقها قد تكون أصعب من ابتكارها أصلًا.
فاللعبة التي تحتوي على ألفي سؤال ليست بالضرورة أفضل من لعبة تحتوي على مئتي سؤال، إذا كانت الأولى تعاقب اللاعب على إجابة صحيحة، بينما الثانية تعرف كيف تتعامل مع ما يكتبه.
وكذلك الأمر بالنسبة لأي منتج نبتكره، فمهما اعتقدنا أننا أحسنا صنعه، سيأتي يوم يستخدمه أحدهم بطريقة لم نتوقعها، ويكتشف مشكلة لم تخطر على بالنا.
ولذلك أصبحت أنظر إلى الأخطاء بطريقة مختلفة، فكل خطأ يكتشفه اللاعب هو فرصة لتحسين التجربة للجميع، بشرط أن نكون مستعدين للاستماع إليه.
أما بالنسبة لي، فقد خسرت خلية في لعبتي بسبب حرف واحد، لكنني اكتسبت درسًا ربما يكون أهم من الفوز في تلك الجولة.
وهو أن اللعبة لا ينبغي أن تكون أذكى من لاعبيها، وإنما أن تصبح أذكى بفضلهم.
والآن، اسمحوا لي بالعودة إلى سباق اليوم لاستعادة كرامتي، وهذه المرة إذا ظهر سؤال عن الأخوين الألمانيين، فسأكتب الإجابة بالإنجليزية مباشرة!
(إلا إذا قررت اللعبة أن تسألني عن اسم الساحرة بدلًا منهما).
جرّب «سباق الدرب» اليوم — وإن ظلمناك في إجابة، فالرابط الصغير بانتظارك